التعليم الثانوي

كل مايتعلق بمهنة التعليم والتدريس


    الاتحاد المغاربي

    شاطر
    avatar
    bellir

    عدد الرسائل : 146
    تاريخ التسجيل : 05/03/2009

    الاتحاد المغاربي

    مُساهمة  bellir في السبت مارس 14, 2009 7:07 am

    السياق التاريخي:
    على عكس التجمعات الإقليمية العربية الأخرى مثل مجلس التعاون الخليجي الذي كان وليد هواجس سياسية وأمنية حديثة جداً، فإن الوعي الإقليمي بوحدة المغرب العربي بدأ يتبلور في إطار الحركات الوطنية المغاربية منذ مطلع القرن العشرين عندما بدأ مفهوم المغرب العربي يتكوّن سياسياً، إذ دأبت حركات التحرر في تونس والجزائر والمغرب على التأكيد على البعد المغاربي لما بعد الاستقلال.
    وعلى عكس الحركات الوطنية العربية في المشرق التي اتخذت بعداً قومياً حيث نادت بتأسيس الدولة العربية الموحدة دولة الاستقلال، تميزت الحركات الوطنية في المغرب العربي ببعدها الوطني أولاً ثم الإقليمي المغاربي ثانياً. وهذا ما يفسر غياب الصراع بين "الدولة القطرية" والقومية، إذ لم تعرف الدول المغاربية ذلك الهجوم على "الدولة القطرية"، وحتى هذا التعبير لا أثر له في الأدبيات المغاربية التي تتحدث عن الدولة الوطنية، وعليه فبناء المغرب العربي لم يوضع إطلاقاً قبل بناء الدولة الوطنية مما حال دون أي صراع أيدلوجي بين التوجهات المحلية (الوطنية) والإقليمية (المغاربية)، على عكس ما حدث في المشرق.
    واستمر تبلور مفهوم المغرب العربي كوحدة إقليمية خلال العقود المتتالية، وكانت إحدى مراحله التأسيسية مؤتمر المغرب العربي الذي انعقد بالقاهرة في فبراير/شباط 1947. لكن السنة التاريخية تبقى عام 1958 لأهميتها بالنسبة للوعي السياسي المغاربي، حيث انعقد مؤتمر طنجة يوم 26 أبريل/نيسان 1958 بالمغرب والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وحزب الدستور التونسي.
    عقد هذا المؤتمر بعد استقلال المغرب وتونس في حين كانت الثورة الجزائرية لا تزال متواصلة. ويعتبر المؤتمر بداية التأريخ للمشروع الإقليمي المغاربي, خاصة أن قضية توحيد الجهود في مواجهة السوق الأوروبية المشتركة الناشئة كانت من بين القضايا التي تطرق إليها المؤتمر الذي يعبر عن وعي سياسي يفوق بكثير من حيث الرؤية الإستراتيجية وعي النخب المغاربية الحاكمة حالياً. ولا نبالغ إن قلنا إنه حدث تراجع في الوعي السياسي المغاربي مقارنة مع تلك الحقبة.
    لم يتحقق حلم زعماء الحركات الوطنية المغاربية، فما إن استقلت الدول المغاربية حتى بدأت الخلافات السياسية لاسيما بسبب الخلافات الحدودية. ودخلت المغرب والجزائر في "حرب الرمال" (أكتوبر/تشرين الأول 1963) بسبب مطالب ترابية مغاربية على حساب الجزائر. ولكن هذه الحرب لم تمنع الدول المغاربية من محاولة إرساء قواعد للتعاون الإقليمي، فقد أنشئ المجلس الاستشاري المغاربي الدائم عام 1964 بين الجزائر والمغرب وتونس، والذي يعتبر أول مشروع ملموس للتعاون الإقليمي مغاربياً. وكانت أهم أهدافه: تنسيق السياسات الاقتصادية والجمركية، وضمان حرية تنقل البضائع الصناعية، وتنسيق السياسات في مواجهة الشركاء التجاريين لاسيما السوق الأوروبية المشتركة. والتحقت ليبيا بهذا المجلس ثم تلتها موريتانيا، ليصبح أول بنية إقليمية جمعت دول المغرب العربي الخمس.
    لكن هذه التجربة الأولى في البناء الإقليمي المغاربي سرعان ما أجهضت من جراء الخلافات السياسية بين الدول المغاربية وأجواء الحرب الباردة والصراع العربي الإسرائيلي والصراعات العربية العربية (الجزائر في المعسكر التقدمي والمغرب في المعسكر المحافظ) التي ألقت بظلالها على العلاقات البينية المغاربية.
    وشهد مطلع السبعينات نوعاً من التحسن في العلاقات المغاربية لاسيما الجزائرية المغربية مما أسهم في حل الخلافات الحدودية, حيث وقعت الجزائر مثلاً اتفاقاً مع تونس في فبراير/شباط 1970 وآخر مع المغرب في يونيو/حزيران 1972 (لكن الرباط لم تصادق عليه إلا في عام 1989). ولكن هذا الانفراج في العلاقات المغربية سرعان ما غمره التوتر السياسي من جديد بين الجزائر والمغرب والذي ازداد حدة مع انفجار أزمة الصحراء الغربية عام 1974 وتدعيم الجزائر لجبهة البوليساريو رداً على الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا والذي قسم بموجبه إقليم الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا، فكان أن توقف العمل المغاربي المتعدد الأطراف في حين تواصل التعاون الثنائي بدرجة متدنية. هذا التوتر أدى إلى الاتفاق في الدورة الثانية عشرة للمجلس المغاربي على تعليق نشاطه إلى أجل غير مسمى، ومنذ ذلك الحين أصبحت أزمة الصحراء الغربية أحد المحددات الرئيسية للعلاقات المغاربية.
    تأسيس اتحاد المغرب العربي:
    بعد توتر شديد في العلاقات الجزائرية المغربية شرع البلدان في التقارب بينهما والذي دُشن بقمة العقيد لطفي (بلدة على الحدود المغربية) جمعت الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد بالعاهل المغربي الحسن الثاني يوم 26 فبراير/شباط 1983. وبعد أقل من شهر من انعقاد هذه القمة وبالتحديد في 19 مارس/آذار وقعت الجزائر "معاهدة الإخاء والوفاق" مع تونس والتي انضمت إليها موريتانيا في 13 ديسمبر/كانون الأول 1983. ورغم تأكيدهما أن هذه المعاهدة ركيزة لبناء المغرب العربي الكبير فإن المغرب وليبيا اعتبراها حلفا ضدهما ومحاولة جزائرية لعزلهما إقليميا. وكرد فعل قررت طرابلس والرباط تشكيل حلف بينهما لمواجهة المعاهدة الجزائرية التونسية، فوقّع الطرفان يوم 13 أغسطس/آب 1984 اتفاقا في وجدة (مدينة مغربية على الحدود مع الجزائر) أسستا بموجبه "اتحاد الدول العربي الأفريقي".
    إستراتيجية المغرب من خلال هذا الحلف كانت مزدوجة الهدف: الرد على التحرك الجزائري ووقف الدعم الليبي للبوليساريو بتحييد طرابلس في هذه النزاع. أما ليبيا فكانت تسعى لئلا تُقصى من سياسة المحاور المغاربية وتضمن عدم تدخل المغرب في نزاعها مع تشاد (الرباط كانت هددت طرابلس بدعم نجامينا إن لم تتوقف عن مساندتها للبوليساريو). والجزائر بدورها رأت في الاتفاق المغربي الليبي تحالفاً ضدها، ويبدو أنها كانت تتخوف من تقارب عسكري بين جاريها الغربي والشرقي مما قد يهدد أمنها القومي، خاصة أن المادة 12 من اتفاق وجدة المغربي الليبي تنص على أن أي عدوان على أحدهما هو عدوان على الآخر.
    وكانت مشاركة الحسن الثاني في القمة العربية التي عقدت بالجزائر في يونيو/حزيران 1988 رمزاً قوياً للمصالحة الجزائرية المغربية لدرجة أن هذه المصالحة كادت تصرف الاهتمام والدعم عن الانتفاضة الفلسطينية. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في العلاقات المغاربية، وتطرق قادة الدول المغاربة الخمس في قمة زرالدة في يونيو 1988 -وهي أول قمة مغاربية في التاريخ بصفة رسمية- إلى مبدأ إنشاء اتحاد مغاربي وتم الاتفاق على إنشاء خمس لجان، إلا أن أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 تسببت في إرجاء القمة المغاربية التي كانت مقررة خلال نفس العام.
    والملاحظ أن المدة الزمنية التي فصلت تاريخ عودة العلاقات الجزائرية المغاربية عن قمة زرالدة التي تقرر فيها إنشاء بنية إقليمية مغاربية مدة قصيرة جداً، مما يدل على التسرع الكبير في إنشاء الاتحاد المغاربي، وهذا طبعاً تقليد في العلاقات العربية العربية التي تمر بين عشية وضحاها من حالة عداء شديد إلى مشاريع تكاملية سريعة والعكس صحيح، فكان أن أفقد هذا التسرع جدية المشاريع الإقليمية العربية.
    واجتمع قادة دول المغرب العربي الخمس في مراكش يوم 17 فبراير/شباط 1989 وأعلنوا إنشاء "اتحاد المغرب العربي"، وتميزت معاهدة مراكش المؤسسة لهذا الاتحاد بعمومية أهدافها إذ لم يُشر مثلاً في نصوص المادتين الثانية والثالثة المتعلقة بأهداف الاتحاد إلى وحدة جمركية أو اقتصادية، وإنما اقتصر نص المعاهدة على عبارات عامة حول التعاون الاقتصادي والسياسة المشتركة.
    والنقطة الأخرى التي تثير الانتباه في هذه المعاهدة هي عدم تحديدها لمفهوم المغرب العربي ولا حدوده الجغرافية، بل إن صفة "العربية" لم تعتبر ميزة خاصة أو معيار قبول أو رفض عضوية دول أخرى، فتنص المادة السابعة من المعاهدة على أن "للدول الأخرى المنتمية إلى الأمة العربية أو إلى المجموعة الأفريقية أن تنضم إلى هذه المعاهدة إذا قبلت الدول الأعضاء".
    هذا الطغيان في منطق السيادة والتواضع في الأهداف الاقتصادية يجعلان معاهدة اتحاد المغرب بعيدة عن مشروع تكامل إقليمي، إذ طغى العامل السياسي في إنشاء اتحاد المغرب العربي على الجانب الاقتصادي. والغريب أن الأدبيات المغاربية المتخصصة تتحدث عن اتحاد المغرب العربي وضرورات تنشيطه وكأنه بنية إقليمية رفيعة المستوى في مجال التكامل.
    وتقرر حسب المادة الخامسة من المعاهدة عقد مجلس الرئاسة المغاربية في دورات عادية مرة كل سنة بالإضافة إلى دورات غير عادية إن اقتضت الضرورة. وعقدت منذ القمة التأسيسية (مراكش 1989) ست دورات على مستوى الرئاسة كانت الأولى في تونس ثم الجزائر ورأس لانوف في ليبيا فالدار البيضاء فنواكشوط، وأخيرا تونس في أبريل/نيسان 1994. أما الدورة السابعة المزمع عقدها في الجزائر فلم يكتب لها الانعقاد بسبب الخلافات الجزائرية المغربية.
    أما دورات الاتحاد اللاحقة لاسيما رأس لانوف (ليبيا 1991) ونواكشوط (1992) فقد أكدت ضرورة اتخاذ التدابير العملية اللازمة لتنفيذ مختلف الاتفاقات في سبيل إقامة منطقة تجارة حرة مغاربية، وذلك قبل مدة لا تتجاوز عشر سنوات. غير أنه لم يتم تجسيد شيء على أرض الواقع.

    [u]
    avatar
    bellir

    عدد الرسائل : 146
    تاريخ التسجيل : 05/03/2009

    رد: الاتحاد المغاربي

    مُساهمة  bellir في السبت مارس 14, 2009 7:12 am

    الخلل البنيوي
    للاقتصاديات المغاربية
    :
    برغم التقارب الاقتصادي الكبير بين دول المغرب العربي بعد تبني الجزائر لاقتصاد
    السوق وتحرير ليبيا لاقتصادها تدريجياً، فإن هذا الخلل حال دون التعاون السليم بين
    الدول الأعضاء كما زاد من حدة سلوكها الأناني والوطني الضيق, حيث يسعى كل طرف
    للحصول على مزيد من المساعدات الأجنبية الأوروبية أساساً ولو كان هذا التهافت
    مضراً بالتعاون الإقليمي، وكان يقال أن سبب الاختلافات هو السياسات الاقتصادية
    المختلفة، حيث تبنت تونس والمغرب الانفتاح الاقتصادي، بينما كان الاقتصاد موجهاً
    في الجزائر وليبيا، ولكن اتضح مع مرور الوقت أن تبني الدول المغاربية اقتصاد السوق
    بدرجات متفاوتة لم يساهم في تحريك عملية الاندماج الإقليمي. وهذا لا يعني أن
    المدخل الاقتصادي لا يصلح لشرح أسباب تعثر التجربة المغاربية ذلك أن الخلل البنيوي
    لاقتصاديات دول اتحاد المغرب العربي يشكل بدون شك عائقاً كبيراً أمام التكامل
    الإقليمي. ودون محاولة التقليل من شأن المعوقات التي نعتبرها أساسية، يجب ألاّ
    نحملها ما لا تستطيع وأن ننظر إلى الأمور من الزاوية الاقتصادية أيضاً. ذلك أن
    الطبيعة الاقتصادية المغاربية تجعل من الصعب على الأقل في الظرف الراهن بناء مشروع
    تكامل حقيقي.


    فاقتصاديات
    الدول المغاربية تتميز بفقر تنوعها حيث تعتمد أساساً على المواد الأولية بنسبة
    تفوق 90% من الصادرات؛ المحروقات بالنسبة للجزائر وليبيا والمعادن (الفوسفات
    أساساً) والنسيج (فيما يخص المنتجات الصناعية) بالنسبة للمغرب. كما أنها اقتصادية
    تبادلية بمعنى أنها قائمة على التجارة مع العالم الخارجي بنسبة كبيرة جداً
    (التجارة تمثل 87% من الناتج الداخلي لموريتانيا) وهذا يجعلها تحت رحمة الضغوط
    الأجنبية، أما فقر التنوع الاقتصادي فيجعلها عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق
    الدولية. وبحكم تخلفها فإن واردات هذه الدول هي أساساً مواد مصنعة مما يزيد صعوبة
    تطوير المبادلات بين هذه الاقتصاديات الموجهة أساساً نحو العالم المصنع، لكن
    القيادات السياسية لم تتخذ أي إجراء في سبيل دعم وتطوير التجارة البينية خاصة وأن
    إمكانيات التكامل موجودة في بعض المجالات مثل القطاع الزراعي الذي قد يساهم في
    تقليص التبعية الغذائية لبعض الدول، وللإشارة فإن كل الدول العربية تستورد أكثر
    مما تصدر من المواد الغذائية ما عدا تونس والمغرب وموريتانيا.


    فتونس تقترب من
    الاكتفاء الذاتي، وأما المغرب فقد عرف أزمة غذائية مما زاد من حجم وارداته من
    القمح، فيما تحطم الجزائر الرقم القياسي المغاربي والعالمي في مجال الواردات
    الغذائية، حيث يصل عجزها الغذائي إلى نسبة 80%، وهي أول مستورد في العالم للقمح.
    وبالتالي يعاني المغرب العربي من تبعية اقتصادية لأوروبا، ويؤدي التخصص الكبير
    لهذه البلدان (الطاقة بالنسبة للجزائر وليبيا، الزراعة والمواد المصنعة البسيطة
    بالنسبة لتونس والمغرب) إلى الاعتماد على الخارج لإمدادها بحاجياتها من المواد
    المصنعة مما حال دون تطوير التجارة البينية.


    وتعاني المنطقة
    العربية من بطالة قياسية تفاقمت بسبب الضغط السكاني، إذ تشير أرقام منظمة العمل
    العربية إلى أن معدل النمو السكاني يفوق بكثير معدل النمو الاقتصادي، وبسبب ذلك
    فإن القوى العاملة (حوالي 12 مليونا في 17 دولة عربية عام 1997) في العالم العربي
    عموماً تنمو بمعدل يقارب 3%, وهذا المعدل المرتفع يتطلب إيجاد حجم أكبر في فرص
    العمل يتجاوز 3 ملايين سنوياً وحتى 4 ملايين مع نهاية العقد الحالي لتخفيف حدة
    البطالة. وتشير نفس الأرقام إلى أنه كان على الدول المغاربية إيجاد حوالي 390 ألف
    فرصة عمل جديدة سنوياً خلال السنوات الثلاث الأخيرة للحيلولة دون تفاقم معدلات
    البطالة، وهذا الخلل البنيوي للاقتصاديات المغربية يبدو أنه مرشح للاستمرار خلال
    السنوات القادمة وقد يزداد سوءاً مع التحرير الكامل للتجارة العالمية.


    تفعيل
    الاتحاد المغاربي



    محاولات تفعيل
    الاتحاد المغاربي:
    لفهم سر محاولة
    تفعيل اتحاد المغرب العربي في هذا الظرف الإقليمي والدولي بالذات نقترح فرضية
    مؤداها أن دول المغرب العربي أدارت ظهرها للمغرب العربي لكثرة المشاريع الإقليمية
    الأخرى التي تقودها قوى أجنبية اعتقاداً منها بأنها ستحقق من خلالها مكاسب أكبر
    بكثير من تعاونها البيني مغاربياً، ولكن بعد أن خاب الأمل كانت العودة من جديد إلى
    المغرب العربي. وما يقوي مثل هذه الفرضية هو أن الأسباب السياسية التي كانت وراء تجميد
    مؤسسات اتحاد المغرب العربي مازالت قائمة، ولكن الدول الأعضاء لا سيما المغرب الذي
    كان وراء تجميد هياكل الاتحاد يشارك اليوم في محاولات تفعيلها.


    بدأ اتحاد
    المغرب العربي قبل مشاريع إقليمية أخرى بسنوات مثل الشرق أوسطية والمتوسطية واتحاد
    دول الصحراء والساحل، لكنه بقي جسداً بلا روح فيما نشط أعضاؤه بقوة في المشاريع
    الإقليمية المذكورة. فدول المغرب العربي لا سيما المغرب وتونس راهنت على الشرق
    أوسطية مثل دول عربية مشرقية ولعبت دوراً في دفع مسيرة مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال
    أفريقيا. وطور المغرب في ظرف قياسي مبادلاته مع إسرائيل فيما عجز (لسبب أو لآخر)
    عن تطوير مبادلاته مع جيرانه المغاربة. ونفس الشيء يقال تقريباً عن تونس، ولكن
    بحكم تبعيته الأتوماتيكية لتطورات عمليات السلام العربية الإسرائيلية فإن مشروع
    الشرق أوسطية سرعان ما انحسرت موجته وتراجعت للتوقف سفينته منذ مؤتمر الدوحة عام
    1997. فكانت خيبة أمل كبيرة لكل من أراد تحقيق مكاسب من هذا المشروع الذي تميز
    أيضاً بتنافس عربي عربي (لا سيما حول من يستفيد من قروض بنك الشرق الأوسط
    للتنمية).


    أما في مجال
    المتوسطية فكان الحماس أقوى والمطامع أكثر بحكم أن الشراكة الأوروبية المتوسطية أقل
    تأثراً بمجريات عملية السلام من الشرق أوسطية وبحكم القوة الاقتصادية والمالية
    للاتحاد الأوروبي، ودأبت كل الدول على خدمة مصالحها دون مراعاة مصالح جيرانها أو
    محاولة التنسيق للتفاوض بصوت واحد مع العملاق الاقتصادي الأوروبي، إلا أن
    المتوسطية كانت هي الأخرى مخيبة للآمال. فأوروبا تفرض مجالات التفاوض والتعاون ولا
    تخصص الأموال اللازمة لدفع عجلة النمو في بلدان الضفة الجنوبية، بينما تخصص
    أموالاً طائلة لبلدان أوروبا الشرقية. كما أن الدول المغاربية التي تسرعت لإبرام
    اتفاقات شراكة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة تونس والمغرب أدركت سريعاً أن هذه
    الاتفاقات غير متوازنة وهي في صالح الاتحاد الأوروبي الذي فرض عليها إرادته، فقد
    أبقى على الحمائية الاقتصادية في المجال الزراعي فيما تشكل المنتجات الزراعية
    التونسية والمغربية أهم صادرات البلدين إلى أوروبا، وتسرع تونس والمغرب كان لغرض
    الحصول على النصيب الأكبر من القروض والمساعدات المالية الأوروبية لكن لم يكن لها
    ما أرادت، بل إن الاتحاد الأوروبي لا يحترم كل التزاماته، حيث يتأخر في منحهما
    المساعدات المتفق عليها مقابل تخفيضهما التدريجي للحواجز الجمركية والتي سترفع
    فيما بعد نهائياً ترقباً لإقامة منطقة التبادل الأوروبية المتوسطية، فكانت إذاً
    الخيبة الثانية.


    وأما خيبة
    الأمل الثالثة فهي أفريقية، فليبيا المستاءة من عدم تضامن الدول المغاربية
    والعربية عموماً معها في خرق الحظر الدولي المفروض عليها (بين عامي 1992 و1999)
    فيما خرقته دول أفريقية جعلتها تتبنى توجهاً أفريقياً معوضة خطابها العروبي بخطاب
    قاري، فكان أن بادرت إلى إنشاء اتحاد دول الساحل والصحراء بين عامي 1997 و1998
    والذي يضم اليوم حوالي 16 دولة منها كل الدول العربية الأفريقية باستثناء الجزائر،
    ويهدف هذا التجمع إلى إقامة منطقة لتبادل الحر بين أعضائه. لكن هذه الدول التي
    عجزت على الاتفاق فيما بينها في إطار بنية محدودة العدد كيف يمكنها النجاح في
    مشروع ولد أساساً بسبب عوامل سياسية لا علاقة لها بالمسائل الاقتصادية؟


    يضاف إلى هذه
    العوامل عامل تحرير التجارة الدولية الزاحف وإنشاء منطقة التبادل الحر التي دخلت حيز
    التنفيذ عام 1998 على أن تكتمل في حدود 2008، بالإضافة طبعاً إلى منطقة التبادل
    الأوروبية المتوسطية وتزايد مناطق التبادل الحر الثنائية بين الدول المغاربية
    والعربية عموماً. كل هذه العوامل مجتمعة دفعت بالدول المغاربية بالعودة إلى نقطة
    البداية، إلى اتحاد المغرب العربي، فهي ليست بحاجة للتحدث بصوت واحد في إطار اتحاد
    دول الساحل والصحراء أو في إطار السوق العربية المشتركة المزمع إنشاؤها، لكنه
    يتحتم عليها التنسيق في مواجهة أوربا، شريكها الرئيسي في إطار الحركات المغاربية
    منذ العام الماضي، لتفعيل مؤسسات الاتحاد المغاربي التي لم تعمل إطلاقاُ حتى قبل
    تجميدها بطلب من المغرب.


    اتفق وزراء
    الاقتصاد والمالية في الاتحاد في آذار/مارس 2002 على إحياء مشروع تأسيس المصرف
    المغاربي للتجارة والاستثمار برأس مال قدره 500 مليون دولار، ويعد هذا تمهيداً
    لقيام منطقة تجارة حرة مغاربية، ومن المحتمل أن يفتتح هذا المصرف في عام 2003 إن
    لم تقحم فيه الخلافات السياسية. وأهمية مثل هذه المصارف تكمن في إنشاء بنية
    اقتصادية مغاربية حقيقية وتسهيل التبادل فيما بين الدول الأعضاء، وهذه الأخيرة
    كانت تتعامل فيما بينها بالفرنك الفرنسي والآن تتعامل باليورو. وعليه فإنشاء هذا
    المصرف قد يؤدي مستقبلاً إلى إصدار عملة موحدة تكون بحد ذاتها عاملاً لتطوير
    المبادلات البينية المغاربية، وللتذكير فإن اتفاقية هذا المصرف وقعت عليها دول
    المغرب العربي في آذار/مارس 1991، أي أنها انتظرت إحدى عشرة سنة لمحاولة تجسيد
    اتفاقية موجودة! وهذا يعني أن تصريحات القادة المغاربة حول اتحاد المغرب العربي كـ
    "خيار إستراتيجي" هي من قبيل الخطاب العربي الذي لا يجد كالعادة أي
    تجسيد عملي له، فلو كان ذلك لما انتظروا إحدى عشرة سنة لتفعيل اتفاقية أبرموها
    بأنفسهم، والآن المشاورات جارية للاتفاق على قمة مغاربية بقصد تفعيل مؤسسات
    الاتحاد.


    وهكذا استغرق
    اتحاد المغرب العربي إحدى عشرة سنة ليقر مشروع بنك الاستثمار المغاربي الذي وقع
    عليه في 1991، بينما تمكن تجمع دول الساحل والصحراء بعد سنتين فقط من وجوده من
    تأسيس بنك للتنمية والتجارة، ومنذ عشر سنوات لم ير أي مشروع مغاربي اتفق عليه
    النور باستثناء هذا المصرف الذي يرتقب افتتاحه العام القادم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء نوفمبر 21, 2017 6:44 pm